خليل الصفدي
11
أعيان العصر وأعوان النصر
وقضى ، وأنا أرى التأريخ والترجمة معادا ثانيا في المعنى لا في الوجود ، ونشرا أولا قبل نشر الرفات إلّا أنّها لم يفضّ عنها ختم اللّحود « 1 » ، وكنت قد أنفقت مدّة من العمر ما وجدت لها عوضا ، ولا حسبتها إلّا لمعة برق أو مضت لي ومضى ، في جمع تاريخي الكبير الذي سمّيته ( الوافي بالوفيات ) ، وسقت فيه ذكر جمل من الأعيان من زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى زماني ، ونصبت فيه نفسي دريئة « 2 » لمن طعن فيّ أو رماني ، إلّا أنّه جاء مطوّلا ، وأصبح وجه مضمونه عن الاقتصاد والاختصار مخوّلا ، فأردت بعد فراغي منه أن أقتصد واقتصر ، وأختار ممّا أمتار وأختصّ مما أختصر ، وأجمع تاريخا أدركه عصري ، وجنى ثمر غصنه هصري ، وضمتني وإياه دائرة وجودي أو نقطة مصري ، أو كان في زماني ولم أره ، أو نقل الرواة الإثبات خبره : من بحر ( الوافر ) أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو * وإيّانا قذاك لبنا تدان وتنظر للهلال كما أراه * ويعلوها النّهار كما علاني وما أحسن قول الآخر : من بحر ( الخفيف ) قال لي قائل لأيّة حال * ترقب البدر ثمّ تهوى سواه قلت إمّا لشبه من حجبوه * أو لأنّي أراه وهو يراه وابتدأت ذلك من سنة ستّ وتسعين وستمائة وهي سنة مولدي ، ونهلة موردي ، وجذوة موقدي وبدأة موعدي ، ورتبت أسماء من فيه على حروف المعجم ، وأدمت غيث فوائده الذي انسجم ، وجمعت بفارس الإطناب فيه فكرّ وما فكّر وحجّ وما أحجم ، وهو شيء جمعته لنفسي لا لأحد من أبناء جنسي ، وجعلته لي رأس مال ، وبضاعة ضمّت الحلل المرقومة والبرود الأسمال ، فمن رآه كثيرا ، وما حلّ من قلبه محلا أثيرا ، أو قابل صفحات وجهه بالإعراض ، أو أرسل سهام نظره فما أصابت منه الأغراض ؛ فذاك أمر به عليّ قضى الباري وشيء جرى به القلم ، وما هو إلّا كالجبّانة أزور فيها قبور أصحابي ، وأتردد منها إلى أجداث أترابي وأحبابي ، والتف في أكفان شيبي الذي نزل بي وأقسم أنه ما يرحل إلّا بي .
--> ( 1 ) اللحود : جمع لحد وهو الشق في جانب القبر وألحد في دين اللّه أي حاد عنه وعدل وألحد الرجل ظلم في الحرم وقوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الحج : 25 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 247 ) . ( 2 ) الدّرء : الدفع . ودرىء بالضم والهمزة ، وتدارأتم وادّارأتم تدافعتم واختلفتم . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 84 ) .